الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي

92

شرح الحلقة الثالثة

أمّا الأولى فلأنّه لا يوجد مبادئ في متعلّق الحكم الظاهري ، وإنّما مبادئه نفس مبادئ متعلّق الحكم الواقعي ولذلك لا تضادّ . وأمّا الثانية فلأنّ الحكم الظاهري وإن كان يفوّت المصلحة الواقعيّة ويسبّب الإلقاء في المفسدة في حالة عدم مطابقته للواقع ، إلا أنّه إنّما يسبّب ذلك لأجل الحفاظ على مصلحة أقوى وأهمّ . ففي الحقيقة ليس هناك تفويت أو إيقاع في المفسدة ، وإنّما هناك تفويت لمصلحة مهمّة لأجل الحصول على مصلحة أهمّ . وهذا الأمر مقبول عقلا وعقلائيّا ، ومثاله في باب التزاحم الامتثالي : إذا دار الأمر بين إنقاذ غريق وبين إيقاع الصلاة بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، أو دار الأمر بين إنقاذ أحد غريقين وكان لأحدهما بعض المرجّحات ككونه عالما تقيّا مثلا ، فهنا يحكم بإنقاذ الغريق في فرض تزاحمه مع الصلاة ، ويحكم بإنقاذ الغريق العالم التقي في الفرض الثاني ، وهذا يعني فوات الصلاة وموت الغريق الثاني ، وهو تفويت للمصلحة وإيقاع في المفسدة إلا أنّه كان ذلك لأجل الحفاظ على مصلحة أهمّ وأقوى من تلك المصلحة . وهذا مصداق لباب التزاحم الذي ملاكه ترجيح الأهمّ على المهمّ « 1 » .

--> ( 1 ) يمكن إرجاع ما ذكره السيّد الخوئي إلى هذا البيان وذلك بأن يقال : إنّ المثال الذي ضربه السيّد الخوئي للتمثيل على كيفيّة كون الحكم الظاهري ملاكه ليس في المتعلّق ، بل بنفس جعله يلقي ضوءا على أنّ مراده من تعبيره بنفس الجعل شيئا آخر غير ما ذكره السيّد الشهيد وأشكل عليه - وإن كان تعبيره المذكور غير صحيح - فذكر أنّ الاحتياط مثلا مجعول لمصلحة في نفس الاحتياط وهي التحفّظ على مصلحة الواقع على تقدير وجودها والتحذّر من الوقوع في المفسدة كذلك . وهذا يفهم منه أنّه يوجد ملاك لجعل الاحتياط لا أنّ ملاكه نفس جعله وإن صرّح بذلك ؛ لأنّ المصلحة المذكورة معناها الحفاظ على المصالح والملاكات الواقعيّة على تقدير وجودها ، فكان تشريع الاحتياط لأجل التحفّظ والتحذّر على الملاكات الواقعيّة لا لملاك في نفس الاحتياط بما هو هو ، بل بما هو مشتمل على التحفّظ والتحذّر . وهذا موافق لما ذكره السيّد الشهيد من أنّ إصدار المنع الظاهري إنّما هو بملاك الحفاظ على الأهمّ من الملاكات الواقعيّة كالحرمة مثلا ، فيصدر المنع عن دائرة ما يحتمل حرمته لأجل ضمان اجتنابها والحرص والحفاظ عليها . غاية الأمر أنّ السيّد الخوئي عبّر عن هذا المطلب بأنّ الملاك في نفس جعل الحكم الظاهري بينما السيّد الشهيد عبّر عنه بأنّ الملاك هو إبراز الأهمّ والحفاظ عليه وضمانه ، فلاحظ وتأمّل .